النموذج التنموي وأسئلة المجتمع

النموذج التنموي وأسئلة المجتمع
بقلم / الشيخ الوالي

 

يتميز الوضع الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي ببعض الأقاليم بالمملكة بنوع من التناقضات التي تحيل طبيعتها إلى عمق الأزمة التي يمر منها مسلسل التنمية و كذلك تسيير الشأن المحلي. و لقد تولد عن ذلك عدة تساؤلات جوهرية انصبت في مجملها حول البحث عن الإجابات الكفيلة بفهم العناصر الداخلية لهذه التناقضات التي أثرت سلبا على  المسار الذي نحثه المسلسل التنموي بالمغرب.

فعلا لايمكن لنا إنكار المنجزات و كذلك المراحل التي قطعتها بعض الأقاليم في عدة قطاعات اقتصادية و اجتماعية مقارنة مع بعض جهات المملكة، و ذلك بفضل استفادتها من الدعم الذي تخصصه الدولة في سبيل النهوض بالبنيات التحتية التي كانت إلى عهد قريب منعدمة أو شبه مغيبة. غير أن هذه الصيرورة التنموية اعترتها جملة من النواقص والإختلالات البنيوية الناتجة عن عدة أسباب مرتبطة أساسا بطرق تنزيل مفهوم التنمية و وسائل التسيير المتبعة من طرف الفاعلين المحليين وأحياننا أخرى فاعلين حكوميين. فبدل أن يكون الالتزام بمقتضيات التنمية مساهما في إحداث نوع من التوازن الاجتماعي بالأقاليم ، قد أدى إلى استشراء حالات الفقر والبطالة والتفاوت الطبقي في بنية المجتمع. كما تفاقمت حالات السخط من عدم قدرة المسؤولين على ملامسة مشاكل الساكنة، و انتقادهم لتبذير المال العام في أمور لا تعتبر من المطالب الأساسية للمواطنين. و نحيل القارئ على الاحتجاجات الشعبية التي انتقلت الى مفهوم جديد يسمى "بالمقاطعة" أو "خليه يريب"  التي واكبت إرتفاع أسعار بعض المواد الغذائية، الى جانب مقاطعة بعض السهرات والمهرجانات الفنية المقامة مؤخرا. هذا الحادث يبين لنا بأن أجندة السياسات العمومية و البرنامج التنموي تم تنزيله بشكل متناقض يعكس عدم احترافية بعض المسؤولين المحليين و طبيعة المسافة التي تفصلهم عن الإحساس بمعاناة شرائح واسعة من المقصيين اجتماعيا من فوائـــد التنــمية.

إنطلاقا من هذا المعطى  ومما سبق يمكن القول على أن المسألة الإجتماعية "ديناميات المجتمع"  أصبحت تستدعي نقاشا وتحليلا عميقين بين الدارسين والباحثين بغية خلق أرضية حقيقية للخروج بتصورات معقولة ومنسجمة مع واقع حال المجتمع أو بصريح العبارة المناطق الهامشية، هذه الأخيرة التي شهدت جملة من التحولات السوسيومجالية السريعة، وفي ظرف وجيز لعبت فيه الدولة دور الذات المبادرة والمقررة كفاعل تنموي رئيسي يشخص ويقترح المقاربات التنموية، التي غالبا ما ميزها هاجس الراهنية والحلول الترقيعية. الأمر الذي تؤكده محدودية فعالية هذا النوع من المقاربات التنموية العمودية نظرا لارتهانها بمنطق و إستراتيجية في المجال التنموي غير منسجمة مع انتظارات الساكنة و الرهانات المرتبطة بتطور و تحديث آليات إنتاج التنمية. وهذا ما يستدعي أكثر من أي وقت مضى وضع قراءة نقدية تقييمية لمسببات مفارقات المسيرة التنموية.

لذا فإن الخروج من هذا المأزق الاجتماعي أضحى يقتضي ضرورة الاستعجال في التعامل مع هذه الإشكالية من خلال التشبت بمبدأ الجهوية من أجل إعادة تصحيح المسار المتبع في مجال وضع برامج السياسات العمومية و تسهيل ولادة مجال تنموي جديد مرتكز على مبدأ التضامن المجالي بين الجهات بالنظر إلى قوة الإمكانات والمؤهلات التي تتمتع بها المملكة والكفيلة في نظرنا بحل الأزمة الإجتماعية. لأن الجهوية قد تشكل مدخلا حقيقيا من أجل تصالح الساكنة مع الشأن المحلي  وفق توجه تنموي يعكس شراكة حقيقية بين الدولة وأبنائها ليكونوا طرفا في تنمية أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية شريطة أن تكون هذه التنمية الاجتماعية منسجمة مع خصوصيات واقعهم وإمكاناتهم و غير مفروضة عليهم عبر تنزيلات عمودية.

وفي الأخير،​تجب إثارة الانتباه إلى مسألة مهمة متجسدة في  دخول مايعرف بالفئة " الصامتة " أو الفئة الثالثة من المجتمع والتي تشكل الغالبية العظمى في اعتقادنا لمعترك التطورات الاقتصادية والسياسية التي تعرفها البلاد و خصوصا بعد بروز مفهوم المقاطعة بوسائط التواصل الاجتماعي التي شكلت مرحلة مفصلية لازالت نتائجها تنعكس بشكل أو أخر على المشهد السياسي. هذه الفئة خرجت من صمتها نظرا 

​لتضييق الخناق عليها بسبب استيائها من طرق تسيير الشأن العام و عدم واقعية الإحصائيات والبرامج الحكومية التي ظلت تصور أن المواطن المغربي يعيش بترف وعلى أن الحكومة تساير مطلب جلالة الملك خلق  نموذج مغربي تنموي يتحدى به في مجال التنمية.

  • عضو المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة